ابن ميمون
208
دلالة الحائرين
وكذلك يقولون : إن انقلاب الجوهر عرضا أو انقلاب العرض جوهرا لا يصح ، ولا دخول جسم في جسم يصح ، بل يقرّون أن هذه ممتنعة عقلا . أما أن كل ما عدّوه من الممتنعات لا يتصور بوجه ، وإن الّذي سمّوه ممكنا يتصور فهو قول صحيح ، غير أن الفلاسفة تقول : إن هذا الّذي سمّيتموه ممتنعا لكونه لا يتخيّل والّذي سمّيتموه ممكنا لكونه يتخيل ، وهذا الممكن عندكم هو ممكن في الخيال ، لا عند العقل . فأنتم في هذه المقدمة تعتبرون الواجب والجائز والمستحيل تارة / بالخيال لا بالعقل ، وتارة ببادئ الرأي المشترك ، كما ذكر أبو نصر عند ذكره المعنى الّذي يسمّيه المتكلمون عقلا ؛ فقد تبيّن ان المتخيل عندهم ممكن يطابقه « 2127 » الوجود أو لم يطابقه ، وكل ما يتخيّل فهو الممتنع . وهذه المقدمة لا تصح الا بالتسع مقدمات التي تقدّم ذكرها . ومن أجلها بلا شك التجئ لتقديم تلك وبيان ذلك على ما أصف لك وأكشف لك من بواطن هذه الأمور على جهة مناظرة وقعت بين المتكلم والفيلسوف . قال المتكلم لفيلسوف : لاي شيء وجدنا هذا جسم الحديد في غاية الصلابة والشدّة وهو اسود ، وهذا جسم الزبد في غاية اللين والرخاوة وهو أبيض . جاوبه الفيلسوف بأن قال : إن كل جسم طبيعي له نوعان من الأعراض . أعراض تلحقه من جهة مادته كمثل ما يصح الإنسان ويمرض ، وأعراض تلحقه من جهة صورته كتعجب الإنسان وضحكه ، ومواد الأجسام المركبة تركيبا أخيرا مختلفة جدا بحسب الصور المخصصة للمواد ، حتى صار جوهر الحديد خلاف جوهر الزبد وتبعهما من الأعراض المختلفة ما تراه ، فالشدة « 2128 » في هذا واللين في هذا أعراض تابعة لاختلاف صورهما والسواد والبياض أعراض تابعة لاختلاف موادهما « 2129 » الأخيرة .
--> ( 2127 ) يطابقه : ت ، طابقه : ج ( 2128 ) فالشدة : ت ، من الشدة : ن ( 2129 ) موادها : ت ، مادتهما : ن